فصل: قال الشنقيطي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وهذا الميثاق مجمل هنا بينته آيات كثيرة.
وجُماعها أن يقولوا الحق ويبلّغوا ما أمروا به دون ملاينة للكافرين والمنافقين، ولا خشية منهم، ولا مجاراة للأهواء، ولا مشاطرة مع أهل الضلال في الإبقاء على بعض ضلالهم.
وأن الله واثقهم ووعدهم على ذلك بالنصر.
ولما احتوت عليه هذه السورة من الأغراض مزيد التأثر بهذا الميثاق بالنسبة للنبيء صلى الله عليه وسلم وشديد المشابهة بما أخذ من المواثيق على الرسل من قبله.
ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى هنا: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] وقوله في ميثاق أهل الكتاب {ألَمْ يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} في سورة الأعراف (169).
وفي تعقيب أمر الرسول بالتقوى ومخالفة الكافرين والمنافقين والتثبيت على اتّباع ما يوحى إليه، وأمره بالتوكل على الله، وجعلها قبل قوله: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} [الأحزاب: 9]. إلخ.
إشارة إلى أن ذلك التأييد الذي أيد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه إذ ردّ عنهم أحزاب الكفار والمنافقين بغيظهم لم ينالوا خيرًا ما هو إلا أثر من آثار الميثاق الذي أخذه الله على رسوله حين بعثه.
والميثاق: اسم العهد وتحقيق الوعد، وهو مشتق من وثق، إذا أيقن وتحقق، فهو منقول من اسم آلة مجازًا غلب على المصدر، وتقدم في قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} في سورة البقرة (27).
وإضافة ميثاق إلى ضمير النبيئين من إضافة المصدر إلى فاعله على معنى اختصاص الميثاق بهم فيما أُلزموا به وما وعدهم الله على الوفاء به.
ويضاف أيضًا إلى ضمير الجلالة في قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به} [المائدة: 7].
وقوله: {ومنك ومن نوح} الخ هو من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام بهم فإن هؤلاء المذكورين أفضل الرسل، وقد ذُكر ضمير محمد صلى الله عليه وسلم قبلهم إيماء إلى تفضيله على جميعهم، ثم جعل ترتيب ذكر البقية على ترتيبهم في الوجود.
ولهذه النكتة خص ضمير النبي بإدخال حرف من عليه بخصوصه، ثم أدخل حرف من على مجموع الباقين فكان قد خصّ باهتمامين: اهتمام التقديم، واهتمام إظهار اقتران الابتداء بضمير بخصوصه غير مندمج في بقيتهم عليهم السلام.
وسيجيء أن ما في سورة الشورى من تقديم {ما وصَّى به نوحًا على والذي أوحينا إليك} [الشورى: 13] طريق آخر هو آثر بالغرض الذي في تلك السورة من قوله تعالى: {شَرَع لكم من الدين ما وصّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم} الآية [الشورى: 13].
وجملة {وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا} أعادت مضمون جملة {وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم} لزيادة تأكيدها، وليبنى عليها وصف الميثاق بالغليظ، أي: عظيمًا جليل الشأن في جنسه فإن كل ميثاق له عظَمٌ فلما وصف هذا ب {غليظًا} أفاد أن له عظمًا خاصًا، وليعلّق به لام التعليل من قوله: {ليَسْأل الصادقين}.
وحقيقة الغليظ: القويّ المتين الخلق، قال تعالى: {فاستغلظ فاستوى على سوقه} [الفتح: 29].
واستعير الغليظ للعظيم الرفيع في جنسه لأن الغليظ من كل صنف هو أمكنُه في صفات جنسه.
واللام في قوله: {ليسأل الصادقين عن صدقهم} لام كي، أي: أخذنا منهم ميثاقًا غليظًا لنعظّم جزاءً للذين يُوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ولنُشدّد العذاب جزاءً للذين يكفرون بما جاءتهم به رسل الله، فيكون من دواعي ذكر هذا الميثاق هنا أنه توطئة لذكر جزاء الصادقين وعذاب الكافرين زيادة على ما ذكرنا من دواعي ذلك آنفًا.
وهذه علة من علل أخذ الميثاق من النبيئين وهي آخر العلل حصولًا فأشعر ذكرُها بأن لهذا الميثاق عللًا تحصل قبل أن يُسْأل الصادقون عن صدقهم، وهي ما في الأعمال المأخوذ ميثاقهم عليها من جلب المصالح ودرء المفاسد، وذلك هو ما يُسأل العاملون عن عمله من خير وشرٍ.
وضمير {يسأل} عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات من التكلم إلى الغيبة.
والمراد بالصادقين أمم الأنبياء الذين بلغهم ما أُخذ على أنبيائهم من الميثاق، ويقابلهم الكافرون الذين كذبوا أنبياءهم أو الذين صدقوهم ثم نقضوا الميثاق من بعد، فيشملهم اسم الكافرين.
والسؤال: كناية عن المؤاخذة لأنها من ثواب جواب السؤال أعني إسداء الثواب للصادقين وعذاب الكافرين، وهذا نظير قوله تعالى: {لا يُسْألُ عمّا يفعل} [الأنبياء: 23]، أي: لا يتعقب أحد فعله ولا يؤاخذه على ما لا يلائمه، وقول كعب بن زهير:
وقيل: إنك منسوب ومسؤول.
وجملة {وأعد للكافرين} عطف على جملة {ليسأل الصادقين} وغُيّر فيها الأسلوب للدلالة على تحقيق عذاب الكافرين حتى لا يتوهم أنهم يسألون سؤال من يُسْمَع جوابُهم أو معذرتُهم، ولإفادة أن إعداد عذابهم أمر مضى وتقرر في علم الله. اهـ.

.قال الشنقيطي:

قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}.
قال ابن كثير: أي في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا يجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإجماع. اهـ. محل الغرض منه، وما ذكر من أن المراد بكون أزوجه صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأم، واحترامهم لهن، كاحترام الأم إلخ. واضح لا إشكال فيه، ويدل له قوله تعالى: {وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فاسألوهن من وَرَاء حجَابٍ} [الأحزاب: 53]، لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقة من وراء حجاب وقوله تعالى: {إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ} [المجادلة: 2] ومعلوم أنهن رضي الله عنهن، لم يلدن جميع المؤمنين الذين هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} أنه هو صلى الله عليه وسلم أب لهم وقد روى عن أبي بن كعب، وابن عباس أنهما قراء: وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، وهذه الأبوة أبوة دينية، وهو صلى الله عليه وسلم أرأف بأمته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جل وعلا في رأفته ورحمته بهم: {عَزيزٌ عَلَيْه مَا عَنتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحيمٌ} [التوبة: 128]، وليست الأبوة أبوة نسب كما بينه تعالى بقوله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رّجَالكُمْ} [الأحزاب: 40]، ويدل لذلك أيضًا حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ول يستطب بيمينه» وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد» يبين معنى أبوته المذكورة كما لا يخفى.
مسألة:
اعلم أن أهل العلم اختلفوا هل يقال لبنات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أخوات المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لإخوانهن كمعاوية، وعبد الله بن أمية أخوال المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات؟ قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المسلمين، كما هو منصوص الشافعي رضي الله عنه في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية، وأمثاله خال المؤمنين فيه قولان للعلماء رضي الله عنهم؟ ونص الشافعي رضي الله عنه، على أنه لا يقال ذلك. وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات، فيدخل النساء في الجمع المذكر السالم تغليبًا فيه قولان؟ صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي رضي الله عنه. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في ذلك أنه لا يطلق منه إلا ما ورد النص بإطلاقه، لأن الإطلاق المراد به غير الظاهر المتبادر يحتاج إلى دليل صارف إليه، والعلم عند الله تعالى.
{وَإذْ أَخَذْنَا منَ النَّبيّينَ ميثَاقَهُمْ وَمنْكَ وَمنْ نُوحٍ وَإبْرَاهيمَ وَمُوسَى وَعيسَى ابْن مَرْيَمَ}.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخذ من النبيين ميثاقهم ثم خص منهم بذلك خمسة: هم أولوا العزم من الرسل، وهم محمد صلى الله عليه وسلم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ولم يبين هنا الميثاق الذي أخذه عليهم، ولكنه جل وعلا بين ذلك في غير هذا الموضع، فبين الميثاق المأخوذ على جميع النبيين بقوله تعالى في سورة آل عمران: {وَإذْ أَخَذَ الله ميثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مّن كتَابٍ وَحكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمنُنَّ به وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إصْري قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَا مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون} [آل عمران: 81] وقد قدمنا الكلام على هذه الآية في سورة مريم في الكلام على قصة الخضر، وقد بين جل وعلا الميثاق الذي أخذه على خصوص الخسمة الذين هم أولوا العزم من الرسل في سورة الشورى في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى به نُوحًا والذي أَوْحَيْنَآ إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا به إبْرَاهيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقيمُوا الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فيه} [الشورى: 13].
وبما ذكرنا تعلم: أن آية آل عمران وآية الشورى فيهما بيان لآية الأحزاب هذه.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ومنك ومن نوح من عطف الخاص على العام، وقد تكلمنا عليه مرارًا والعلم عند الله تعالى. اهـ.

.قال الشعراوي:

{النَّبيُّ أَوْلَى بالْمُؤْمنينَ منْ أَنْفُسهمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}.
فالمعنى: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أَوْلَى بالمؤمنين جميعًا من أنفسهم فما بالكم بزيد؟ إذن: لستُم أحنَّ على زيد من الله، ولا من رسول الله، وإذا كنتم تنظرون إلى الوسام الذي نُزع من زيد حين صار زبد ابن حارثة بعد أنْ كان زيدَ بن محمد.
فلماذا تُغمضون أعينكم عن فضل أعظم، ناله زيد من الله تعالى حين ذُكر اسمه صراحة في قرآنه وكتابه العزيز الذي يُتْلَى ويُتعبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة، فأيُّ وسام أعظم من هذا؟ فقوله تعالى: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37] قَوْل خالد يَخلُد معه ذكْر زيد، وهكذا عوَّض الله زيدًا عما فاته من تغيير اسمه.
وقوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين منْ أَنْفُسهمْ} [الأحزاب: 6] ما المراد بهذه الأولوية من النبي صلى الله عليه وسلم؟
قالوا: هي ارتقاءات في مجال الإحسان إلى النفس، ثم إلى الغير، فالإنسان أولًا يُحسن إلى نفسه، ثم إلى القرابة القريبة، ثم القرابة البعيدة، ثم على الأباعد؛ لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بنفسك، ثم بمَنْ تعول».
ويقولون: أوطان الناس تختلف باختلاف همَمها، فرجل وطنه نفسه، فيرى كل شيء لنفسه، ولا يرى نفسه لأحد، ورجل وطنه أبناؤه وأهله، ورجل يتعدَّى الأصول إلى الفروع، ورجل وطنه بلده أو قريته، ورجل وطنه العالم كله والإنسانية كلها.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم تعدَّى خيره إلى الإنسانية كلها على وجه العموم، والمؤمنين على وجه الخصوص؛ لذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل من أمته وعليه دَيْن، وليس عنده وفاء لا يُصلّي عليه ويقول: «صَلُّوا على أخيكم».
والنظرة السطحية هنا تقول: وما ذنبه إنْ مات وعليه دَيْن؟ ولماذا لم يُصَلّ عليه الرسول؟
قالوا: لم يمنع الرسولُ الصلاة عليه وقال: صَلُّوا على أخيكم؛ لأنه قال في حديث آخر: «مَنْ أخذ أموال الناس يريد أداءها- لم يَقُل أدّاها- أدى الله عنه».
أما وقد مات دون أنْ يؤدي ما عليه، فغالب الظن أنه لم يكُنْ ينوي الأداء؛ لذلك لا أصلي عليه، فلما نزل قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين منْ أَنْفُسهمْ} [الأحزاب: 6] صار رسول الله يتحمل الدَّيْن عمَّنْ يموت من المسلمين وهو مدين، ويؤدي عنه رسول الله، وهذا معنى {النبي أولى بالمؤمنين منْ أَنْفُسهمْ} [الأحزاب: 6] فالنبي أَوْلى بالمسلم من نفسه.
ثم ألم يَقُلْ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام عمر: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من: نفسه، وماله، والناس أجمعين» ولصدْق عمر- رضي الله عنه- مع نفسه قال: نعم يا رسول الله، أنت احبُّ إليَّ من أهلي ومالي، لكن نفسي.
فقال النبي صلى الله عليه السلام: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه» فلما رأى عمر أن المسألة عزيمة فَطن إلى الجواب الصحيح، فلابد أن الله أنطق رسوله بحُبٍّ غير الحبَ الذي أعرفه، إنه الحب العقلي، فمحمد صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليه من نفسه، والإنسان حين يحب الدواء المرَّ إنما يحبه بعقله لا بعاطفته، وكما تحب الولد الذكي حتى ولو كان ابنًا لعدوك، أما ابنك فتحبه بعواطفك، وتحب مَنْ يثني عليه حتى ولو كان غيبًا مُتخلّفًا.
ومشهورة عند العرب قصة الرجل الغني الذي روقه الله بولد متخلف، وكَبر الولد على هذه الحالة حتى صار رجلًا، فكان الطالبون للعطاء يأتونه، فيُثْنون عَلى هذا الولد، ويمدحونه إرضاء لأبيه، وطمعًا في عطائه، مع أنهم يعلمون بلاهته وتخلُّفه، إلى أن احتاج واحد منهم، فنصحوه بالذهاب إلى هذا الغنى، وأخبروه بنقطة ضَعْفه في ولده.
وفعلًا ذهب الرجل ليطلب المساعدة، وجلس مع هذا الغني في البهو، وفجأة نزل هذا الولد على السُّلم كأنه طفل يلعب لا تخفى عليه علامات البَلَه والتخلف، فنظر الرجل إلى صاحب البيت، وقال: أهذا ولدك الذي يدعو الناس له؟ قال: نعم، قال: أراحك الله منه، والأرزاق على الله.
وقوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] أي: أن أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين، وعليه فخديجة رضي الله عنها أم لرسول الله بهذا المعنى؛ لأنه أول المؤمنين؛ لذلك كانت لا تعامله معاملة الزوجة، إنما معاملة الأم الحانية.
ألاَ تراها كيف كانت تحنُو عليه وتحتضنه أول ما تعرَّض لشدة الوحي ونزول الملَك عليه؟ وكيف كانت تُطمئنه؟ ولو كانت بنتًا صغيرة لاختلفَ الأمر، ولاتهمتْه في عقله. إذن: رسول الله في هذه المرحلة كان في حاجة إلى أم رحيمة، لا إلى زوجة شابة قليلة الخبرة.
وزوجاته صلى الله عليه وسلم يُعْتبرن أمهات للمؤمنين به؛ لأن الله تعالى قال مخاطبًا المؤمنين: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُوا رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ من بَعْده أَبَدًا} [الأحزاب: 53] لماذا؟ لأن الرجال الذين يختلفون على امرأة توجد بينهم دائمًا ضغائن وأحقاد.
فالرجل يُطلّق زوجته ويكون كارهًا لها، لكن حين يتزوجها آخر تحلو في عينه مرة أخرى، فيكره مَنْ يتزوجها، وهذه كلها أمور لا تنبغي مع شخص رسول الله، ولا يصح لمن كانت زوجة لرسول الله أن تكون فراشًا لغيره أبدًا؛ لذلك جعلهن الله أمهات للمؤمنين جميعًا، وهذه الحرمة لا تتعدى أمهات المؤمنين إلى بناتهن، فمَنْ كانت لها بنت فلتتزوج بمَنْ تشاء.
إذن: لا يجوز لإنسان مؤمن برسول الله ويُقدّره قدره أنْ يخلفه على امرأته.
لذلك كان تعدد الزوجات في الجاهلية ليس له حَدٌّ معين، فكان للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء، فلما جاء الإسلام أراد أنْ يحدد العدد في هذه المسألة، فأمر أنْ يُمسك الرجل أربعًا منهن، ثم يفارق الباقين، بمعنى أنه لا يجمع من الزوجات أكثر من أربع.